بقلم: محمد عاشور هاشم
انتهيت أمس من قراءة رواية “القطة عازفة الكمان” للكاتب أحمد قرني محمد، وهي رواية لليافعين، رسوم الفنانة نعمة زيدان، تقع في ٢٢٠ صفحة من القطع المتوسط، وصادرة عن دار أصالة اللبنانية المعروفة بإصداراتها للأطفال واليافعين.
تدور الرواية حول الفتى “نور” وقطته “فيروز” التي تهديها إليه جدته لأمه. يعيش نور حياة خاملة، تتسم بالتردد والفتور وعدم القدرة على المواجهة أو الحسم. بدخول القطة لعالمه يتغير كل شيء، يبدأ يرى الحياة بصورة أخرى تقوم القطة بعمل أشياء سحرية: ترسم لوحات فنية، وتصادق مجموعة من نجوم السماء فتجعلها ترقص معها ومع صاحبها نور.
حين يتعرض نور للتنمر من أحد زملائه تذهب معه إلى المدرسة وتقوم بمهاجمة المتنمر ومطاردته، فيضطر المتنمر للاحتماء بنور والاعتذار إليه طالبا منه أن يجعلها تكف عن إيذائه. يتخلص نور من عبء المتنمر بفضل القطة المحبة الغيورة عليه.
يكتشف أنها تجيد العزف على الكمان، ويكتشف أنه كذلك يحب العزف على الكمان ويود أن يتخصص في دراسته والعزف عليه حينما يكبر. يأخذ فيروز إلى أحد المتاجر الكبيرة، ويدخل معها محلا لبيع الألعاب لكي يشتري لها لعبة أظهرت الاهتمام بها، لكنه يلاحظ وجود آلة كمان فيعقد مع البائع صفقة متهورة، فيأخذ الكمان مقابل أن يتنازل عن فيروز للبائع إلى أن يسدد له ثمن الكمان على نهاية الأسبوع كما اتفق معه.
يكتشف نور أن حياته بعد تخليه عن فيروز تحولت مرة أخرى إلى حياة فاترة، خابية، منزوعة البهجة، حتى الكمان الذي ظن أنه سيسعد باقتنائه، حين يعزف عليه يجد صدى سيئا فيتوقف عن العزف.
يدرك نور أن السبب في حزنه وفتوره هو عدم وجود فيروز في حياته، فيقرر أن يستعيدها، يذهب إلى بائع الألعاب لكي يعطيه الرجل القطة ويترك له الكمان في نفس الوقت لكن الرجل يصدمه برفضه لإعادة القطة ويصمم على الحصول على ثمن الكمان أولا.
يعود نور إلى بيته حزينا ويظل هكذا ليومين يدرك خلالهما أنه لن يستطيع أن يستعيد القطة ويبقي على الكمان في نفس الوقت، وبعد مجاهدة مع النفس يقرر أن يعيد الكمان إلى صاحب المحل ويستعيد منه فيروز، لكنه حين يحمل الكمان ويمضي في طريقه إلى محل الألعاب يقابل صديقه نادر فيدعوه للعب معه كرة القدم وأثناء لعبهما يسرق صبي في مثل عمرهما الكمان وينسل مبتعدا، يخوض نور وصديقه نادر غمار مخاطرة شديدة بتتبع اللص من شارع لشارع في محاولة لاستعادة الكمان، ويقوم اللص في نهاية مطاردة طويلة بإخراج مدية من جيبه يجرح بها نور، ويهدد بها نادر الذي لا يخافه ويصمم على استكمال المواجهة معه للنهاية، ولكن في اللحظة التي يتأكد فيها اللص بأنه سيفقد الكمان يحطمه إلى عشرات القطع، ثم ينسل هاربا منهما.
يشعر نور بالحزن الشديد ويوقن بأنه أضاع فيروز وأنه لن يستطيع أن يستردها ثانية. لكن “نادر” صديقه بدون علمه ينشر حكاية القصة بين زملائهم في المدرسة ويجمع منهم قدرا من المال لكي يستعيدوا القطة، ويكمل الناظر لهم المبلغ تشجيعا منه لهذا العمل الجماعي.
في نفس الوقت يفكر نور في أحد معارفه وهو شخصية شبه أسطورية، يراه باستمرار على المقهى القريب من بيتهم، يجلس معه ويخبره بمشكلته، ويلتقي به مرة أخرى ولا يعرف أحد إن كان قد التقاه في الحلم أم الحقيقة ويطلب منه أن يعيد إليه قطته، وبعدها يراه مرة أخرى ويسأله لماذا لم تعد لي قطتي؟ فيسأله الرجل -وهو قبطان متقاعد- قائلا هل وعدتك بأن أعيد إليك القطة؟ ونفهم أن اللقاء السابق الذي طلب نور خلاله من القبطان المتقاعد أن يحقق له أمنيته لم يكن سوى حلم وأنه توهم أنه حقيقة.
يفرح نور حينما يخبره نادر أنهم جمعوا ثمن الكمان ويذهب معه بسرعة إلى محل الألعاب، لكنه يفاجأ بأن فيروز لم تعد لدى البائع فقد أعطاها لرجل غامض، جاءه وأخبره أنه من طرف نور ونقده ثمن الكمان واصطحب فيروز معه.
تسود الدنيا في عين نور ويوقن أنه فقد القطة ولن يستطيع استعادتها مرة أخرى خصوصا أنه لا يعرف من أخذها.
وبينما هو عائد إلى البيت حزينا تترقرق الدموع في عينيه يقابل القبطان المتقاعد الذي يأخذه إلى بيته ويكشف له عن فيروز قائلا له إنه حقق له أمنيته، يفرح نور فرحا شديدا ويعود بالقطة إلى البيت، وتعود لحياته ألوان البهجة والسعادة.
تنتهي الرواية بزيارة الجدة، لهم في البيت وقد أحضرت له هدية عبارة عن كمان كبير. يفرح به نور ويذهب إلى جارته عازفة الكمان التي سبق وأن دعته لينضم إلى الفريق الموسيقي بالأوبرا لكي يتعلم العزف على أصوله، يذهب إليها ويخبرها أنه سينضم إلى الفرقة الموسيقية بعد أن تمكن من الحصول على الكمان.
هذه هي أحداث الرواية، بدون إخلال تقريبا، وأود أن أشير لبعض الأشياء التي استرعت انتباهي أثناء القراءة.
لغة الرواية لغة بسيطة سلسة، تناسب الفئة العمرية المستهدفة، فليس فيها تقعرات أو مفردات غير مفهومة، وليس بها صور أو تركيبات لغوية، وقد يبدو هذا غريبا بعض الشيء خصوصا أن الكاتب قبل أن يكون ساردا فهو شاعر، والشعراء يميلون إلى اللغة الشعرية بالأساس، لكن لحسن حظ القارئ أنه لم يفعل هذا.
الرواية تبدأ في فصولها الأولى برتابة وتحتاج لبعض الصبر إلى أن تشتعل الأحداث وحينما يحدث ذلك يمسك القارئ بتلابيبها ويلتهم سطورها حتى النهاية دون ملل.
الكاتب في رأيي استطاع أن يقدم شخصيتين مميزتين: الأولى، القطة، وهي كائن فانتازي فيه الكثير من الصفات التي يميل إليها المراهقون من غرابة واندفاع وإتيان تصرفات خارج التوقعات، تكون في مجملها المحرك الأساسي للعمل. والثانية: القبطان المتقاعد، ذلك الرجل الغامض، الذي يظهر بالجوار ويقدم المساعدة ويقيم الحوارات البناءة مع نور. باقي شخصيات الرواية عادية وغير لافتة للنظر، ويمكن أن نصادفها كثيرا حولنا في حياتنا العادية.
الرواية لها حبكة محكمة ، شأن معظم أعمال أحمد قرني، وبها قدر كبير من التشويق وهو عامل أساسي في روايات الفتيان، والبناء الدرامي واضح فيها شأنه شأن أعمال قرني السابقة كلها تقريبا.
الرواية في المجمل يمكن أن ترضي القارئ المراهق، فسيجد فيها معظم أركان الرواية المحببة له، لكن من وجهة نظري كان يمكن لها أن تكون أكثر روعة واكتمالا لو أن الكاتب أولى الشخصية الرئيسية أهتماما أكبر وغير من تأثيرها خلال الرواية، فنور البطل الرئيسي ظل كما هو منذ بداية الرواية: الفتى المتردد الذي لا يستطيع أن يواجه ما يعرض له من تحديات، وينتظر أن يقدم له الآخرون الحلول. وهو ما كان يفترض أن يقوم الكاتب بتطويره، فيجعله ينتقل من هذه الحالة إلى حالة أخرى من الثقة والإقدام والمشاركة الفعالة في الحلول. فبعد أن قامت القطة بتقديم المساعدة له بتخليصه من زميله المتنمر، كان يفترض أن يقوم هو بالعمل على حل المشكلات والتحديات الأخرى التي تواجهه، كما حدث مثلا خلال مواجهته هو وصديقه للص، نجد أن نور أحجم عن مواجهة اللص وترك صديقه للاشتباك معه للنهاية. وفي موقف آخر حينما انكسر الكمان لم يفكر أن يجمع النقود التي عليه أن يدفعها للبائع بنفسه، والذي فعل هذا هو نادر أيضا إذ أخبر زملاءه وجمع منهم ومن مدير المدرسة النقود المطلوبة.
نفس الأمر نراه عندما وجد أن عليه أن يفكر في طريقة لاستعادة القطة، لم يقم هو بأي فعل يقربه من هذا الهدف، بل طلب من القبطان المتقاعد أن يقوم بإعادة القطة، وهو ما فعله القبطان في النهاية، كأن علينا عندما نواجه مشكلة أن نبحث عمن يحلها لنا دون أن نخطو نحن أي خطوة تجاه حل هذه المشكلة.
لم تترك هذه الصفة نور حتى في نهاية الرواية، فبدلا من أن يقوم -مثلا- بادخار بعض النقود التي تسمح له بشراء كمان جديد لكي يلبي رغبته فى تعلم العزف جاء الحل سهلا وذلك بقيام جدته بزيارته وتقديم الكمان له كهدية.
كل مشاكل نور البطل الرئيس يقوم الآخرون بحلها له، ولكن ماذا عنه هو؟ لماذا لم يشارك في تقديم أي حل لمشاكله؟ وما الذي يفرق بينه في بداية الرواية عنه في نهايتها؟ ما هو النضج الذي حدث له والذي لابد أن يحدث لأبطال روايات اليافعين؟
لاشيء.
نور البداية هو نور النهاية: شخص خائف متردد متواكل، يقوم المحيطون بإنقاذه بحلول جاهزة .
رغم هذا المثلب إلا أن رواية “القطة عازفة الكمان” من الروايات التي أجادت مخاطبة قارئها واستطاعت من وجهة نظري أن تشبع نهمه إلى ولوج عالم مختلف فيه الكثير من المتعة والإثارة.
هذه الرواية تنضم لمشروع قرني المتميز وتعد إضافة لافتة للكتابة الجادة الموجهة ليافعي لغة الضاد.



