عناصر التشويق وسمات البطل في رواية " 11 مهمة لاستعادة العالم" لليافعين

مايو 16, 2026

دراسة الكاتب/  أحمد قرني


يدخل علي قطب منذ الوهلة الأولى في رواينه " 11 مهمة لاستعادة العالم" في بناء روايته الذي شكله على هيئة اللعبة الالكترونية..حيث يجد البطل نفسه فجأة مطلوبا منه تنفيذ بعض الهام ما إن ينجز واحدة منها حتى يجد الثانية، وتأتي الرواية في بناء فني محكم من حيث زمن الرواية الذي لا يتجاوز الساعات حيث التلاحق الزمني وإيقاعه المتسارع بحيث لا توجد فرصة لالتقاط الأنفاس..وهو يتوافق مع تقنية وقانون اللعبة الالكترونية، حيث السرعة والتشويق وجزء من بنية هذا الزمن المتلاحق السريع...وأتى البناء الدرامي محكما من حيث تلاحق المهمات، مهمة وراء مهمة تجعل العمل أكثر إثارة وتشويقا..أما عن الشخصيات فهي قليلة وهو يتوافق أيضا مع تقنية اللعبة الالكترونية حيث يكون البطل الأوحد هو اللاعب وهو هنا الفتى أسامة وباقي الشخصيات تكون ثانوية ومنها الأم التي تأخذ أكبر مساحة بعد البطل ثم تأتي شخصيات أخرى ثانوية أقل ظهورا منها الأب ، الناظر، المدرسون..واللعبة تعتمد على التشويق والإثارة وهكذا أقام على قطب روايته على هذا البعد منذ أن يصحو أسامة في بيته فلا يجد أمه وعلى الفور يجد نفسه في المهمة الأولى وهي " ابحث عن مفتاح الخروج..مدة المهمة خمس دقائق" والبطل ليس لديه خيار غير تنفيذ ما يطلب منه حتى يستعيد عالمه ويعود إليه..لهذا سنجد البطل المجبر على تنفيذ المهام لكن في نهاية الرواية سيتحرر البطل بعد أن أكمل جميع المهام، كان عليه أن يغادر لكن ذلك العالم الأفتراضي سيطرح عليه خيارا آخر، الخيار أتى في صورة سؤال وعليه أن يجيب عنه وهو سؤال الرواية الأهم " هل نبقى إلى الأبد في حياتنا الافتراضية؟" كان دخوله لهذا العالم نتيجة احساسه بالضيق من عدم تلبية طلباته واحساسه بالعجز لأن أمه لن تشتري له هاتفا جديدا وأنه ليس كأقرانه في المدرسة؛ لا يمتلك حقيبة جديدة ولا حذاء براند مثل زملائه، وتبدأ رحلة الانفصال عن الواقع " يتذكر أسامة جيدا أنه قال: أرغب أن أكون وحدي في هذا العالم" ويجد نفسه فيما يشبه اللعبة الالكترونية، الكاتب يفطن منذ عتبة الرواية الأولى إلى أهمية الألعاب في حياتنا وفي تنشئة الطفل وتكوين الشاب اليافع..لهذا فهو يهدي روايته هكذا " إهداء للألعاب مفتاحنا الأول نحو الحياة"وتلك دلالة لقراءة النص فالألعاب ليست كما نتصور مجرد تسلية أو وقت نضيعه بلا طائل، بل الألعاب هي الخطوة الأولى نحو الحياة حيث سنتعلم ونخطيء ونصيب ونشعر بلذة الانتصار وبقسوة الهزيمة..الكاتب لا يتركك تلتقط أنفاسك وأنت تنتقل من مهمة إلى مهمة مع أسامة الذي يبحث عن أمه ويريد أن يصل إلى عالمه الواقعي ويخرج من عالمه الافتراضي ـ والذي لا يعلم أنه داخل عالم افتراضي" وكلما نجح في مهمة شعر بالانتصار وأنه يقترب من الوصول، وهي لحظة الخروج من العالم الافتراضي حيث سيجد أمه وبيته وأصحابه ومدرسته..منذ أن ركب الأتوبيس الذي يتحرك بلا سائق ثم يصل للمدرسة ومن مهمات متعددة في فناء المدرسة وحجرة الناظر وحجرة المدرسين والمخزن وباب الفصل الذي وضع مكانه حائط وطلب منه أن يدخل..ثم تأتي لحظة الاختيار الصعبة حين يقدم له العالم الافتراضي شخصيات عالم الواقع بصورة سيئة لينفر منها ويظل قابعا في عالمه الافتراضي ولا يخرج منه، هنا سيبدو صديقه شادي غليظا وسيجد الناظر سيئا وسيجد أبيه مبتعدا عنه بحياته الجديدة وسيجد أمه كذلك وهي رمز الحياة بالنسبة له ثم يعرض عليه العرض الأخير أن يبقى في عالمه الافتراضي إلى الأبد؛ أن يظل مستمتعا بالألعاب وأن يظل سعيدا بعيدا عن العالم الواقعي الذي يمتلأ بالألم والمذاكرة والتعب واحساس الفروق الطبقية بينه وبين الأولاد"الآن هل ترغب في العودة إلى عالمك أم تفضل البقاء في هذا العالم؟ ...إذا قررت البقاء ...ستظل تلعب طوال حياتك فلا مكان هنا للمذاكرة أو العقاب" تلك اللحظة الأصعب داخل الرواية حين تصل الحبكة إلى ذروتها..ماذا سيكون اختيار أسامة؟ هل يطلب أن يخرج من اللعبة ويعود إلى عالمه أم يظل باقيا مستمتعا في عالمه الافتراضي يواصل مهامه..مهمة بعد مهمة؟..لا شك إنه سؤال الساعة لأطفالنا فتلك المتعة التي خلقها العالم الافتراضي لهم وحولهم إلى كائنات آلية تلهث خلف انجاز مهمة خلف مهمة، في إثارة وتشويق يجعلهم غائبين عن عالمهم الواقعي أو تحقيق شيئ يذكر..وبعيدا عن اختيار أسامة لعالمه الجديد سنجد على قطب وقد كشف عن لعبته داخل الرواية حين وضع تفسيرا دراميا لما وقع لأسامة عندما دخل اللعبة الالكترونية وإن كان هذا التفسير يبدو معقولا لتمرير الفعل وتبريره  إلا أنني أرى أنه لم يكن في حاجة إليه..ولا مبرر درامي لايجاده، لأن بناء الرواية على شكل لعبة يبقى بناء متماسكا ولن يختل هذا البناء بالإحالة إلى أنه كان وهما أو كان حلما أو كان تحت تأثير آخر مثلما فعل الكاتب في الرواية بل يبقى كواقع وحدث بالفعل أجمل وأمتع للقارئ ولا شك أنه قد أزال بعضا من تلك المتعة عندما برر ما لا يجب تبريره داخل المتن الروائي ولعل خيال الأطفال واليافعين هو خيال خصب واسع بلا نهاية ولا يحتاج إلى مبررات عقلية أو منطقية لقبوله، وقد حاول الكاتب في نهاية الرواية العودة لكسر الإيهام حين يخبروالدته أنه عاد لرؤية الكلمات التي تتشكل على الحائط لتخبره بالمهمة "أعتقد أنك كنت تتخيل يا عزيزي..قامت والدته معه إلى الصالة وهناك رأت الكلمات والعداد التنازلي للوقت على الحائط" هنا كأن الكاتب يردنا أن نبدأ رحلة جديدة بين الواقع والافتراضي بين الحلم والحقيقة ...

لعل الرواية وهي تقدم عالمها للقارئ اليافع لا تقدم ـ كما يظن من بنائها ـ على أنها أدب الحركة ولإثارة بل هو ينحاز إلى نوع أدبي يأخذ كل خصائص جنس الرواية لكنه موجه للفئة العمرية للشباب الذين يستهدفهم أدب اليافعين  ما بين 12 سنة حتى 18 وتلك المرحلة التي تقع بين منزلتين الطفولة والنضج المتمثل في اكتمال الرجولة أو الأنوثة وتلك المرحلة العمرية تتسم ببعض الخصائص النفسية مثل الحلم والإندفاع والتعصب للرأي والتردد والشعور بالذات والخجل أحيانا والتقلب المزاجي الشديد وهي تتفاعل مع حركة نمو الجسد وبداية ظهور علامات الذكورة أو الأنوثة لدى الشباب ولأن الكاتب يعرف أهمية الكتابة لليافعين فقد امتلأ نصه بالرسائل المهمة تربويا لهؤلاء الشباب “…أن قيمة الإنسان ليست فيما يرتديه وإنما في نفسه ..في جوهره”  ولاشك أن تمرير الرسائل التربوية يحتاج إلى مهارة الكاتب حتى لا يقع في فخ الوعظ والإرشاد والنصح المباشر الذي سينفر منه الشباب بالقطع وسنجد تلك السمات هنا في كتابة على قطب، لهذا فقد انحاز داخل الرواية للأسرة واحتفظ للأم والأب والمدرسين بمكانة سامية..

عوالم الرواية ولا شك أن الرواية تقدم عالما مختلفا عن عوالم الكتابة لليافعين التقليدية فقد حاول على قطب أن يقترب من عوالم اليافعين والشباب المعاصر المرتبط بالكمبيوتر والانترنت  فقدم روايته بمفرداتها وبنائها الدرامي على شكل لعبة الكترونية وهي العوالم الحديثة التي تطرق لها كتاب رواية اليافعين وظهر مؤخرا الاهتمام بها..وبعيدا عن العوالم التقليدية التي هي المدرسة أو الجامعة أو الشارع أو بيت الأسرة..الخ حيث صراعات الكبار مع الصغار..وهذا ما يؤكد على تجدد أدب اليافعين وأنه بات يطرق عوالم جديدة أكثر جاذبية للشباب وأكثر التصاقا بهم كما فعل الكاتب ..لهذا يظل البطل يقوم بمهمة وراء مهمة لكي يصل إلى عالمه ” لكني سأصل وسأجتاز هذه المهمة، وكل المهام التي ستلقى في طريقي لعلني أجد ماما” هنا ستجد مبررا قويا ودافعا لدى البطل الشاب لكي يقوم بالهام إنه يريد أن يسترد عالمه..

 سمات البطل  قدمت الرواية البطل ليس على أنه بطل خارق يستطيع أن يفعل كل شيء أو أي شيء بل قدمت الرواية بطلها أسامة على أنه فتى مثل كل الفتيان الذي يراهم المرء في حياته فهو يصيب ويخطيء وينجز مهمة ويخفق في أخرى وهو يحتاج إلى حب أمه ورعاية أبيه..ويخشى عصا الناظر والمخزن المظلم الذي صار حجرة العقاب بالمدرسة، وفي الحقيقة أن معظم الكتابات التي تقدم الآن لليافعين لا تقدم البطل الخارق الذي يستطيع أن يتغلب على كل الصعاب، وله سمات وقدرات خاصة تفارق اليافع وأقرانه بل على العكس تماما تقدم الآن الكتابات ذلك البطل الشاب الذي يتماهى في صورته وقدراته مع اليافعين أنفسهم في عالمنا المعاصر، وهو يشبههم من حيث عدم قدرته على التغلب على الصعاب والمشكلات التي تواجه بطل الرواية، وقد نجح الكاتب في تقديم أسامة بطل الرواية الذي بدا أحيانا مترددا وأحيانا أخرى متحديا مقبلا أحيانا متحمسا وأحيانا متخاذلا متراجعا وهو ما يجعل البطل يقترب من القاريئ ويشعر أنه يشبهه في صفاته، يكسب وينتصر في مهام ويهزم ويعجز عن مهام أخرى، وليس من المهم أن يكون البطل منتصرا بمفرده في كل مواجهاته بل يخفق أحيانا..وهو ينتصر ليس بالشجاعة والقوة الجسدية بل بالتفكير المنظم مستعينا بالعلم، ذلك هو البطل الواقعي في عالمنا الآن وقد نجحت الرواية في تقديم نموذج البطل العصري..ومن ثم ستجد داخل الرواية أن السؤال والتجربة والحيرة والتفكير كلها تدور في عقل أسامة..بما يعني أنه لكي ننجح علينا أن نفكر ونحاول ونجازف أحيانا بحرص لكي نصل..

السرد..أما عن السرد فقد جاء سلسا يناسب اليافعين من حيث الجمل البسيطة غير المركبة..كما ابتعد الكاتب عن الزخارف اللغوية والصور الجمالية وانحاز للسرد المعبر عن الحدث بلغة وصفية، لغة تبدو محايدة كما يبدو الكمبيوتر محايدا هو الآخر بألعابه..لهذا لن تجد صورا بلاغية تعوق السرد أو توقف تدفقه خلف البطل المتحفز، لا تجد لغة خطابية زاعقة بل سار السرد معبرا عن المتن الحكائي..ونجح الكاتب أن يبني عالمه الروائي الذي هو بالأساس داخل لعبة الكترونية لكن دون استخدام مصطلحات الألعاب الالكترونية كاستعمال كلمة “مهمة” بديلا عن كلمة ” اوب جكتف” أو “ميشن” وحسنا فعل أن استطاع الكاتب أن يتجنب المصطلحات الأجنبية داخل اللعبة..   

 

 


المراجع التي اعتمدتها الدراسة

1ـ رواية ” 11 مهمة لاستعادة العالم” على قطب صدرت عن بيت الحكمة 2024

2ـ كتاب “رواية الفتيان” للناقد الأكاديمي العراقي نجم عبد الله كاظم، الصادر حديثاً عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر

يراجع عبد الفتاح إسماعيل وكتاب ” أدب الأطفال فى العالم المعاصر ” رؤية نقدية تحليلة الناشر الدار العربية للكتاب 2000

4ـ “الخيال من الكهف إلي الواقع الافتراضي” للدكتور شاكر عبد الحميد .سلسلة عالم المعرفة العدد 360 سنة 2009

 

 

كاتب الدراسة

أحمد قرني ..كاتب روائي مصري مواليد الجيزة 1967

له مؤلفات عديدة في روايات اليافعين وأدب الأطفال

وحصل على جوائز مهمة مثل جائزة كتارا وجائزة الشيخ خليفة التربوية

وجائزة الشارقة في الابداع العربي مرتين وجائزة مجلة الثقافة الجديدة

وجوائز أخرى عديدة منها نادي القصة، جائزة الهيئة العربية للمسرح