أحمد طلـــــب
تتخذ القصة الموجهة للأطفال “الغزالة تالا تذهب إلى المدرسة” شكلًا مزدوجًا، حيث تقدمان عبر حكايتين متوازيتين – حكاية الدب رشيد والغزالة تالا – درسًا تربويًا عميقًا حول أهمية التميز الفردي واكتشاف المواهب الحقيقية، وأهمية التعلم واكتساب المعرفة. لا تكتفي القصة بسرد مغامرات الحيوانات في الغابة، بل تنطلق منها لبناء رسالة إنسانية واضحة، تتعامل مع قيم أساسية في مرحلة تكوين الطفل:
الثقة بالنفس
الإصرار
النقد الذاتي
قيمة العلم والعمل.
1_ثنائية التميز والتقليد: حكاية رشيد
تمثل قصة الدب رشيد نموذجًا للشخصية التي تبحث عن مكانتها عبر تقليد الآخرين، بدلًا من اكتشاف كنوزها الداخلية. يمر رشيد بسلسلة من الإخفاقات المُهينة (الغناء، نظم الشعر، القفز، العزف) لأنه يحاول انتحال مهارات لا تناسب طبيعته. الفشل المتكرر هنا ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة سردية فعّالة لإيصال فكرة أن التقليد الأعمى يؤدي إلى الإحباط والضياع. لحظة التحول الحاسمة تأتي على لسان الحكمة الأمومية التي توجّهه نحو الاستكشاف الداخلي: “كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَكْتَشِفَ مَهَارَتَكَ التِي تُمَيِّزُكُ”.فاكتشاف موهبة الرسم ليس انتصارًا فنيًا فحسب، بل هو انتصار للهوية أيضًا.
القصة ترفض فكرة “الشخصية الواحدة الناجحة” (مغني، شاعر) وتؤكد على تعدد المواهب وتنوعها، مما يعزز لدى الطفل مبدأ القناعة بأن لكل شخص مساره الفريد.
2_ جدلية الجمال الخارجي والمعرفة الداخلية: حكاية تالا
في الجانب الآخر، تقدم قصة الغزالة تالا نقدًا لاذعًا للانشغال بالمظهر والغرور على حساب تنمية العقل والمهارات. تالا تجسد الشخصية التي تخلط بين القيمة الذاتية والجمال الخارجي، معتقدة أنه سيفتح لها جميع الأبواب. صدمتها الواقعية عند مقابلة المدير الدب، وسؤالها الجوهري: “مَاذَا تَعَلَّمْتِ؟ وَمَاذَا تُجِيدِينَ؟”، تمثل لحظة انهيار الوهم ومواجهة قواعد العالم الحقيقي، حيث القيمة تُبنى على المعرفة والعمل، وليس على المظهر.
كما أن قرار تالا اللاحق بالالتحاق بالمدرسة ليس استسلامًا، بل هو تصحيح للمسار وإعادة تعريف للذات لحظة تحولها من السخرية من المدرسة إلى أن تصبح داعية لها (“المَدْرَسَةُ مَكَانٌ رَائِعٌ يَجْعَلُنَا أَذْكِياءَ، وَمَاهِرِينَ، وَصَالِحِينَ”) يكمل قوس تطورها الشخصي بشكل مُرضٍ.
3_البناء الفني والرسالة التربوية
البناء الحكائي للقصة يعتمد على التضاد والموازنة بين الشخصيتين الرئيسيتين: رشيد الذي يبحث عن موهبته الداخلية، وتالا التي تبحث عن المعرفة الخارجية. كلا المسارين يتقاطعان في النهاية عند نقطة “اكتشاف الذات عبر الإنجاز الحقيقي”.
كما كان استخدام الحيوانات كشخصيات يجعل القصة أكثر جاذبية للأطفال، وهو ذاته الذي منح الكاتب حرية تجسيد الصفات الإنسانية (الدب القوي الذي يرسم، الغزالة الجميلة التي تتعلم).
اللغة واضحة ومناسبة للفئة العمرية، مع حوارات مباشرة تعبر عن المشاعر والدروس بوضوح.
من الناحية النقدية،
يمكن ملاحظة أن الحلول في القصة تأتي بشكل مباشر وسريع نسبيًا (اكتشاف الموهبة، الالتحاق بالمدرسة)، وهو ما قد يكون مقصودًا لخدمة الوضوح التربوي في سياق قصص الأطفال.
شخصية “الأم”
في قصة رشيد تلعب دور الموجه الحكيم الذي يختصر رحلة البحث، مما يعزز دور الأسرة التوجيهي.
الخاتمة
“الغزالة تالا تذهب إلى المدرسة” ليست مجرد قصة تسلية، بل هي أطروحة تربوية مُصغرة تقدم رؤيةً متوازنةً لنمو الشخصية.
تحذر من مخاطر التقليد والغرور من ناحية، و ترفع من شأن الموهبة الفردية والجدية في طلب العلم من ناحية أخرى.
نجحت القصة في تقديم نموذجين للفشل الأولي (فشل التقليد، وفشل الاعتماد على المظهر) وتحويلهما إلى قصة نجاح مُلهمة، ترسخ في عقل الطفل فكرة أن قيمة الإنسان تكمن في ما يبنيه بعقله ويديه،
وأن اكتشاف الذات هو أهم رحلة يمكن أن يخوضها.



