حكايات جحا بين السذاجة الفلسفية والنقد الاجتماعي

فبراير 24, 2026

رؤية نقدية

أحمد طلـــــــــب

 

تُعد حكايات جحا من أشهر ما أنتجته الثقافة الشعبية العربية والإسلامية، ونسخة المركز القومي لثقافة الطفل التي بين أيدينا تقدّم مجموعة مختارة من هذه الحكايات في قالب بصري وجيز، موجّهة للأطفال مع محافظة على روح النص التراثي. من خلال قراءة هذه المجموعة، يمكننا استخلاص عدة أبعاد نقدية وفنية

البنية السردية والأسلوب

تعتمد الحكايات على بناء قصصي بسيط ومكثّف، يقوم على موقف يومي يتحوّل بفضل “ذكاء” جحا المغلف بالسذاجة الظاهرة إلى مساحة للتفكير النقدي أو الفكاهة الذكية. الأسلوب مباشر، والحوارات قصيرة، والنهاية غالبًا ما تكون مفاجئة أو تحمل مغزى أخلاقيًا بسيطًا. هذا يتناسب تمامًا مع الفئة المستهدفة (الأطفال)، حيث تعمل القصص على تنمية الخيال وطرح أسئلة غير مباشرة حول السلوك والمنطق

الشخصية:

جحا ذلك العاقل المجنون

جحا هنا ليس أحمقًا، بل هو شخصية مركبة تتعمد التظاهر بالسذاجة لفضح سذاجة الآخرين أو لاختبار منطقهم. في قصة “لا تتدخل فيما لا يعنيك”، نراه يعاقب البقرة بعصاه، وعندما يستفسر الجيران، يبرر فعلته بأن “العصا تتألم”، وعندما يسألونه: “عصاك تتألم وبقرتك لا تتألم؟”، تكون إجابته الجاهزة: “لا تتدخل فيما لا يعنيك”. الحكاية ليست عن القسوة على الحيوان، بل هي درس في الاتساق المنطقي وفي تجاوز حدود الفضول. جحا يقلب السؤال على سائله، مظهرًا تناقضهم في التدخل في شأنه بينما هم ينتقدون تدخله هو في “شأن البقرة“.

 

الأبعاد الاجتماعية والنقدية

تعكس الحكايا قضايا اجتماعية ونفسية بشكل هزلي

العلاقة الزوجية:

في “مقشة زوجتي”، هروب جحا من زوجته يتحول إلى مشهد هزلي، لكنه يلمح إلى نمط العلاقة الساخرة والخوف الظريف الذي قد يميز بعض الأسر ويضفي على حياتها الزخم والشغف

الفقر والحاجة:

قصة “في جوفي حريقة” تظهر جحا جائعًا، واستجابته المبالغ فيها للحساء الساخن (الهرب إلى السوق صارخًا) تعبير مفرط عن معاناة الجوع وعدم القدرة على التحمل.

الطمع والبراءة:

في “عفريت الفاكهة”، يحاول جحا تبرير سرقته للفاكهة بحكاية خيالية عن عفريت، وهو أمر يظهر كيف يلجأ الإنسان أحيانًا إلى اختلاق الأعذار الساذجة لتبرير أخطائه.

الذكاء العملي والسخرية:

قصة “بطيخ جحا” تسخر من التسرع وعدم التخطيط، حيث يفتح كل البطيخات دون أن يكتفي بواحدة، ليكتشف في النهاية فسادها.

القيم التربوية المستترة

وراء كل حكاية فكاهية، ثمة قيمة أو درس

اعترف: تتناول الأمانة والاعتراف بالخطأ، حتى لو كان من حمار!

رد لي حذائي: فيها تعليم للصبر وحسن التعامل مع الغير حتى في لحظات الانزعاج.

الحلوى بالضرب والجَبر: تنتقد بذكاء ثقافة العنف والتلويح به كوسيلة للإكراه، حتى في أبسط الأمور كتقديم الطعام.

العناصر الفنية في النص

الصياغة اللغوية تستخدم لغة عربية بسيطة مع إبقاء بعض من روح  العامية الدارجة في الحوار، مما يقرب القصة من وجدان الطفل. كما أن الإيقاع السريع والحركة الدائمة (الهرب، الجري، الحوار الساخر) يحبّب القصة إلى الطفل.كما كان عنصر المفاجأة حاضر في نهايات معظم الحكايات، وهو ما يحفز التفكير ويدرب الطفل على توقع غير المتوقع.

الخاتمة

حكايات جحا في هذا الإصدار تقدم تراثًا شفويًا مصقولًا للأطفال، يحمل في ثناياه فلسفة شعبية ذكية. جحا ليس مجرد مهرج، بل هو المرآة التي نرى فيها تناقضاتنا وسذاجتنا أحيانًا. القصص تنجح في الجمع بين الترفيه والتوعية، وتظل شخصية جحا واحدة من أنجح الأدوات السردية في الثقافة العربية لنقل الحكمة من خلال الكوميديا والضحك، والنقد من خلال التظاهر بالجهل. هذا الإصدار يحافظ على تلك الروح مع تقديمه في صورة مناسبة للطفل المعاصر، مما يضمن استمرار هذه الشخصية الخالدة في وجدان الأجيال الجديدة