الطفولة المبكرة وجائحة كورونا

أبريل 24, 2022

الطفولة المبكرة وجائحة كورونا

إيمان بهى الدين

 

أهمية الطفولة المبكرة

الطفولة المبكرة مرحلة هامة من مراحل نمو الطفل، وتبدأ منذ الولادة وحتى السنة الثامنة، وفق ما حددته اليونيسف، و تعد هذه المرحلة حاسمة في حياة الإنسان لما تنطوي عليه من خصوصية تترك بصمات واضحة على مستقبله .. ففي هذه المرحلة تتكون بشكل كبير قدرات وملكات ومهارات الطفل العقلية العاطفية والجسدية واللغوية، كما يبدأ الطفل بالاعتماد على نفسه في بعض الأمور. بما يعني أن  معظم شخصية الطفل تتشكل في هذه المرحلة، حيث أكد التربويون بأن الإنسان هو ما يكون في طفولته المبكرة، لذا فإن الاهتمام بمرحلة الطفولة يمثل الأساس في تحقيق التنمية البشرية، وأن تنمية الطفولة المبكرة ورعايتها يمثل الركيزة الأساسية أو حجر الأساس في الوصول إلى تلك التنمية.

 ويجب الاهتمام بهذه المرحلة بشكل شمولي متكامل، حيث أن “تنمية الطفولة المبكرة ” هو منهج شامل للسياسات والبرامج الخاصة بالأطفال في هذه المرحلة العمرية، وبآبائهم والقائمين على رعايتهم، ويهدف هذا المنهج إلى حماية حقوق الطفل لكى يتمكن من تطوير كامل إمكانياته المعرفية والعاطفية والاجتماعية والبدنية، وتعتبر الخدمات المجتمعية التي تفي باحتياجات الرضع والأطفال الصغار حيوية لمنهج تنمية الطفولة المبكرة ، ويجب أن تشمل أيضا الاهتمام بالصحة والتغذية والتعليم والمياه والصحة البيئية في المنازل والمجتمعات المحلية، ويدعم هذا المنهج حقوق الطفل الصغير في البقاء والنماء والحماية والمشاركة وفق قدراته.

وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين (التسعينيات) والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين  العديد من المكتسبات فيما يتعلق بتنمية الطفولة العربية متضمنة مرحلة الطفولة المبكرة، حيث سعت الكثير  من الدول العربية إلى إيلاء اهتمام كبير بالأطفال ، بل وبدأت تضع الطفولة على سلم الأولويات في استراتيجياتها، واعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات الخطط الاستراتيجية القومية، وذلك إدراكا منها بأن التنمية الحقيقية يجب أن تبدأ من الطفل . إلا أن المشهد تبدل خلال السنوات العشر الأخيرة من هذا القرن، مع ما شهدته المنطقة من اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية، فبرزت اشكاليات لم تشهدها المنطقة من قبل مثل الأطفال في حالات اللجوء والنزوح مع تزايد النزاعات والصراعات، واضطراد معدلات العنف،  ونقص في الخدمات الأساسية للأطفال سواء في الصحة أو التعليم أو التغذية او الحصول على المياه والمرافق، إلى جانب تراجع فيما يقدم في مجالات ثقافة وإعلام الطفل.

 

الطفولة المبكرة وجائحة كورونا:

ومع ديسمبر من العام  2019 حلت جائحة كورونا على العالم أجمع، وبرزت تداعيات أثرت سلبا في الدول الغنية والنامية، وسببت أكبر أزمة إنسانية في تاريخ العالم الحديث، وبالتبعية أثرت على الأطفال بشكل مباشر وغير مباشر على كافة المستويات. ويمكن ايجاز تأثير الجائحة على الأطفال بشكل عام وعلى طفل مرحلة الطفولة المبكرة بشكل خاص في الآتي في ظل الإغلاق والحجر  أو العزل وما تبعها من اجراءات:

  • الآثار النفسية: بسبب التواجد بالمنزل وعدم الخروج للمدارس أو اللعب بالنوادي والمتنزهات جاءت أثار تمثلت في شعور الطفل بالذعر والخوف، والاحباط، والدخول في نوبات بكاء غير مبررة، وصولا إلى الشعور  باضطرابات عصبية وانفعالية، وممارسة السلوك العدواني على نفسه وعلى الآخرين.
  • الآثار التعليمية: مع إغلاق المدارس ورياض الأطفال والحضانات ارتفعت نسب التسرب والذي قد يصل في بعض المناطق إلى الحرمان من الدراسة، مع وجود مشاكل في التعليم عن بعد بسبب ضعف البنية التكنولوجية والمهارات الرقمية، ووجود فجوة في التحصيل الدراسي الذي يمثل الجزء الأساسي في العملية التربوية.
  • الآثار الصحية: مع أن الإصابات بكورونا في مراحلها الأولى لم تصب الأطفال الصغار بشكل مباشر، إلا أن التأثير غير المباشر كان أعمق بسبب انهيار النظم الصحية، مما أدى إلى تعليق تلقي الأمصال واللقاحات الأخرى، وبالتالي زاد من نسب وفيات الأطفال ممن هم دون سن الخمس سنوات، مع افتقار ملايين الأطفال إلى إمكانية الوصول إلى مرافق غسل اليدين – وهي خطوة أساسية للوقاية من كورونا والأمراض الخطيرة الأخرى، مع نقص وضعف الخدمات الصحية العامة بما فيها الصحة النفسية والدعم النفسي، مما قد يسهم في امكانية التعرض لمشاكل صحية أو آثار صحية طويلة الآمد غير واضحة المعالم بعد.
  • الآثار التغذوية: لعل ابرزها هو عدم الحصول على الوجبات المدرسية لتوقف المدارس، والتسبب في سوء التغذية والتعرض للتقزم، مع ارتفاع معدلات الجوع وفق ما اكته التقارير العالمية.
  • الآثار الاجتماعية: مع الإغلاق وظروف الحجر، كانت هناك زيادة في حدة التوترات داخل الأسرة والحرمان من اللعب، مع تراجع ممارسة الحياة الاجتماعية مع الأهل والأصدقاء، مما اوجد تعديلا في السلوكيات والعادات الاجتماعية التي قطعا ستؤثر على تنشئة الطفل .
  • فضلا عن أن الجائحة فاقمت من الأضرار  والتعرض للأذي على أطفال المهاجرين واللاجئين والأقليات والأطفال الذين لديهم إعاقات والأطفال في المؤسسات أو في البلدان المتأثرة بالنزاعات.

هكذا مثلت الجائحة تحديا كبيرا على نمو الطفل في هذه المرحلة العمرية الهامة، حيث أشارت الشبكة العربية لتنمية الطفولة المبكرة إلى الجائحة سببت أزمة في التعلم المبكر ، من حيث انخفاض التحفيز  وتوقف عمليات الاستعداد والجهوزية لدى الأطفال والمدرسة والأهل للتعلم، وتراجع مسارات التفاعل والتعلّم في المستقبل، وتهديد حياة الأطفال وصحتهم، وطالبت بتنسيق كل جهود الحكومات والمؤسسات الدولية والوطنية وهيئات المجتمع المدني والهيئات الأكاديمية  للدفاع  عن حقوق الأطفال.

 

تنمية الطفولة المبكرة وما بعد كورونا

على ضوء ما سببته الجائحة، ومن منظور تكاملي يستند إلى المنهج الحقوقي ويحقق أهداف التنمية المستدامة، فإنه من الأهمية تبني رؤية عالمية واقليمية ترتكز أولوياتها على العمل وفق تحركات ومبادرات تقوم على الآتي  :

  • تأمين الصحة والحياة الآمنة للأطفال من خلال العمل على خفض معدل وفيات الأطفال الرضع وحديثي الولادة والأطفال دون سن الخامسة، وخفض معدل وفيات الأمهات أثناء الحمل والولاة، وتوفير خدمات الصحة الإنجابية، مع تبني برامج التحصين الموسع للأطفال .
  • خفض معدل سوء التغذية، من خلال خفض معدل انخفاض الوزن عند الولادة، وإضافة اليود إلى ملح الطعام، وتبني برامج لتشجيع الرضـاعة الطبيعية، ونشر أسس التغذية السليمة للأم والطفل .
  • توفير التعليم من خلال توسيع وتحسين الرعاية والتعليم الشاملين للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، واعتبارها جزء من مراحل التعليم الرسمية، مع توفير المعلمات والمربيات المؤهلات، وتطوير مؤسسات التعليم ما قبل المدرسة من حيث الأبنية والأجهزة . والعمل على سد الفجوة الرقمية. بما يضمن تمكين كل طفل وفي كل مكان من التعلّم عبر الإنترنت.
  • الاهتمام بفئات الأطفال ذوي الإعاقة وفي الظروف الصعبة ، خاصة في مراحل الطفولة المبكرة.
  • وضع التشريعات الخاصة بحماية الأمومة والطفولة المبـكرة .
  • التوسع في مجالات توعية الآباء بالطرق السليمة لمعاملة الأبناء من خلال البرامج والأدلة التدريبية.
  • توفير المؤسسات الرعائية خاصة دور رياض الأطفال ومراكز الرعاية النهارية .
  • التوعية بأهمية اللعب في هذه المرحلة للتعلم والترفيه .
  • الاهتمام بتثقيف هذه المرحلة من خلال الاهتمام بالقصص والمجلات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية والأفلام والمواد والتطبيقات الرقمية الخاصة بهذه المرحلة وفق المستجدات .

 

والآن اصبح الجميع سواء على مستوى الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والجهات البحثية معني بضرورة العمل من أجل تحويل تلك الأزمة التي حققتها جائحة كورونا على الأطفال إلى فرصة حقيقية للتغيير والتطوير وإعادة بناء نظم التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، بل واللحاق بركب التقدم التكنولوجي للدخول إلى مجتمع المعرفة وتمكين أطفالنا للثورة الصناعية الرابعة وعالم ما بعد كورونا، الذي نأمل أن يكون أكثر قوة واستدامة تصان فيه الحقوق وتتحقق الحرية والعدالة والمواطنة والكرامة الإنسانية.